في اطار الصخب الدائر على منصات التواصل الاجتماعي، ومواقع الصحف والمحطات الاخبارية، حيث يعلق على الحرب ــ بين ايران من جهة وامريكا واسرائيل وحلفائهما من الجهة الاخرى ــ ، خبراء ومهتمون بالملف، واغلبية ممن هم ليسوا خبراء ولا علاقة لهم بالملف، أو بغيره من الملفات ،
يتداول هؤلاء واولئك مصطلح “نظام الملالي”، توصيفا للحكومة والمؤسسات الايرانية العسكرية والمدنية، من باب قصدية الإساءة، أو الجهل، أو التعالي المتماهي مع الرجل الأبيض.
“الملا” كلقب كان يستخدم تاريخيا من باب التشريف، ويضاف الي أسماء الملوك والنبلاء في المغرب وشمال افريقيا، بينما خص به رجال الدين في ايران والهند وافغانستان، وهو ليس درجة علمية رسمية في الفقه الشيعي، بل وصف اجتماعي شائع لرجال الدين الشيعة الذين تلقوا تعليمهم في الحوزة.
وطالب “العلم الشرعي” الذي سيصبح ملا لاحقا ، يمر بمسار تعليمي طويل يشبه الي حد كبير المسار الاكاديمي المنضبط، ويبدأ بـ”المنطق”، حيث يدرس طالب “البدايات” التراث المنطقي الذي تطوّر في الفلسفة الإسلامية منذ ارسطو، الذي ترجمه وشرحه الفيلسوف المسلم ابن رشد ” وتعد مدرسته الفلسفية عنوانا على التنوير العقلي”.
يدرس الطالب الحوزوي المنطق الارسطي، واليات التفكير والاستدلال والاستنباط، قبل ان ينتقل الي “مرحلة السطوح”، او المرحلة المتوسطة في الدراسات الدينية، ومنها الي مرحلة الدراسات العليا “البحث الخارج” وفيها لا بد ان ينتقل من بلده، ليوسع مداركه، ويحتك بالعالم.
بالعودة الي جدل العارفين ببواطن الامور وكذا الجاهلين ببواطنها وظواهرها، ينبني نظام الحكم الايراني علي تركيب عنقودي يخصه وحده، وبه مساحة من الديموقراطية غير العددية، التي تعود الي تراث وثقافة شعب يعود تاريخه الي الالفية الخامسة قبل الميلاد.
على الجانب الاخر تخلى الامريكي عن ادعاءات الدمقرطة، ودعم حريات الشعوب، ودخل الحرب بهدف بات معلنا “السيطرة على احتياطيات النفط الايراني” وهو الهدف ذاته الذي سبق ودعمت من اجله استبداد الشاه ضد رئيس الوزراء المنتخب ديموقراطيا محمد مصدق في الستينات.
تخوض اميركا الحرب بعقلية “اليانكي” ــ اللقب بدأ كإهانة قبل ان يتحول الي رمز للفخر الوطني ــ الجندي الجوال الذي ينتقل من معركة لاخرى سعيا للتوسع وبسط النفوذ، مستمدا شرعيته من قدرته على فرض الامر الواقع.
جائت امريكا مجددا الي الشرق صباح السبت 28 فبراير 2026، متحالفة مع مجرم الحرب المدان والمطلوب للجنائية الدولية بنيامين نتنياهو، باحثين عن ضربة خاطفة، اقوي من تلك التي سبقتها في يونيو الماضي، بهدف معلن هو “تغيير النظام”، دونما وعي حقيقي بالتكوين المجتمعي، وانما هو غرور القوة.
وعبر السنوات القليلة الماضية عمل الغرب على استخدام مصطلح “النظام “بدل في مقابل الدولة، رغم ان النظام يقابله الفوضى حسبما استقر في اللغة .
ورغم ان مجرم الحرب بنيامين نتنياهو والمتهم بتهم فساد في كيان الاحتلال، رفض وتلاعب عبر سنوات للحيلولة دون اجراء انتخابات دعت اليها احزاب وقوى اخري الا ان الغرب لم يستخدم مصطلح نظام نتنياهو، وحتي عندما خرج الاف الصهاينة مطالبين باسقاطه لم يشر الاعلام الغربي الي المظاهرات باعتبارها ربيعا صهيونيا، في مقابل تلاعب لفظي تكرر مرات عدة، في ليبيا وسوريا وحتى مصر نفسها، التي هي اقدم دولة مركزية في التاريخ، فروج الاعلام الغربي، والعربي التابع لمصطلحات نظام بشار ، نظام القذافي، ونظام مبارك.
بالعودة الي ” ملالي إيران”، فقد رأى البعض غباءا وقصر نظر، واصرار على تكرار الخطأ، في قبولهم التفاوض مع الولايات المتحدة حول برنامجها لنووي ” حمار المالطي او ربما قميص عثمان”، رغم سابق قيام امبراطور اليانكي دونالد ترامب بقصف المنشآت النووية في ظل مفاوضات دائرة بينهما،
وبدا “جنرالات الفيس بوك” ساخطين على عدم قيام ايران ببدء الحرب، رغم التحشيد الامريكي، وتحريك اساطيل الطائرات الشبحية، والقطع البحرية، لكن “الملالي” اصروا على قبول التفاوض مع اعلان الجهوزية للمعركة، ولمرة عاشرة قرروا انتظار الضربة الاولى، وهو ما قد يصنفه البعض خطئا استراتيجيا، او ربما كارثة تكتيكية، لكنه الارث الحضاري العابر للقرون، حيث يفشل الخصم في فرض منطقه، ويلعب الايراني علي رقعة الشطرنج باستراتيجيته الخاصة، فتاريخيا وعقب انتهاء مرحلة التوسع الامبراطوري اعتمد الايرانيون سياسة الدفاع ضد القوة المنافسة، ثم حماية الهوية، وصولا الي الردع غير المتكافئ.
ويمكننا هنا التوقف عند تأثير الثقافة الشيعية على المخيال السياسي الايراني، حيث كشفت دراسات ــ بينها منجز فالي نصر استاذ وعميد جامعة هوبكنز السابق و صاحب كتاب استراتيجية ايران الكبرى واخرين ــ الي تأثير الفكر الشيعي في في تشكيل الخطاب السياسي والاستراتيجي للجمهورية الإسلامية بعد الثورة .
استنادا على هذه الرؤية يمكننا ان نلحظ الحضور الطاغي لمفاهيم الشهادة والتضحية، والوقوف في وجه قوة اكبر ــ الحسين في مواجهة يزيد ــ مهما بدا توازن القوى غير متكافئ.
جهل الرئيس ترامب بهذه المفاهيم جعله يصرخ مندهشا من صمود ايران وعدم رضوخهم لمطالبه رغم حشوده الفائقة، وهو الجهل ذاته الذي جعله يعتقد ان استشهاد المرشد الاعلى السيد على خامنئي يعني انهيار الدولة، واستسلامها لقوات اليانكي .
مزيج الجهل والغطرسة الذي جمع ترامب ونتنياهو، جعلهما يعتقدان ان اغتيال خامنئي سيتيح لهم الانتقاء بين عشرات الطامعين في السلطة واختيار من يحقق لهما اهدافهماــ كما حدث في سوريا ــ وبح صوت ترامب وهو يدعو السفراء في الخارج ورجال الجيش والشرطة في الداخل لتسليم السلاح واعلان الانشقاق، لكن سفيرا واحدا لم يعلن انشقاقه، وكذا لم نجد ضابطا او حتى جنديا في الجيش الايراني والحرس الثورى يعلن القاء السلاح، او الاستسلام لجحافل اليانكي الغربي الطامع في نفط بلاده، وثرواتها ومقدراتها.
يعود تاريخ الولايات المتحدة ــ كدولة قامت على جثث ملايين السكان الاصليين ــ الي ما يقارب الثلاثمائة عام، بينما يبلغ عمر دولة الاحتلال الاسرائيلي 78 عاما، في مقابل ما يقارب السبعة الاف عام من الارث الحضاري لدولة فارس، التي عربها الفتح الاسلامي وصقلها المذهب الشيعي الاثناعشري ــ الذي اعتبره الازهر الشريف احد المذاهب الاسلامية المعتبرة كما الحنفي والمالكي ــ، وربما لا نكون مبالغين ان اعتبرنا ان صراعا حضاريا يدور في الاقليم المنكوب باستعمارات متتالية منذ ما يقارب الالف عام، من اجل اعادة ترسيم الحدود بالحديد والنار، وبينما كان المطلوب في سايكس بيكو اصطناع حدود لدول قومية تتجاهل الجغرافيا الطبيعية،متعمدة اصطناع خلافات حدودية واثنية مزمنة، بينما المطلوب الان تفكيك الدول القومية، واعتماد الكانتونات الطائفية والمذهبية المتناحرة، تحت مظلة هيمنة دولة الاحتلال الاسرائيلي المبنية اصلا على اساطير توراتية ــ فشل حتي علماء الاثربولوجيا الصهاينة في ايجاد اية دلائل اركيولوجية عليها ـــ بما يتناسب والشكل الجديد للرأسمالية العالمية، حيث الشركات تتصدر المشهد فوق الدول والمنظمات الاممية، والبليونيرات ــ ايلون ماسك نموجا ــ اصحاب يد طولى في القرار السياسي، وحتى الجيوش في خدمة مصالح الشركات الكبرى، التي تستعيد تراث الاسترقاق ممثلا في العبودية الرقمية، تحت غطاءات التعهيد والفريلانسنج، اما ممرات الامداد فهي اثمن من حياة البشر.
ملالي ايران يخوضون اليوم معركة غير متكافئة، في مواجهة رأسمالية الذكاء الاصطناعي الشرهة للطاقة، على حساب احتياجات البشر الاساسية، وقد نجحوا حتي اللحظة في استدراج الوحش الامريكي وحلفاءه الي مستنقع خسائر بالترليونات، صاكين مصطلح رفع تكلفة الانتصار، ما قد يعني قبلة الحياة للتراث الحضاري الشرقي.