كتابات

خامنئي.. كيف تحول رجل الدين “الكلاسيكي” لمثقف مشتبك؟

عن عمر يناهز 86 عامًا رحل أمس المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله السيد علي الحسيني الخامنئي، وبدا مدهشًا للبعض كيف ولماذا بقي الرجل الذي تطلب رأسه الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي في مقر إقامته المعتاد في ظل تهديد شبه مؤكد بالحرب قبل أسابيع طويلة، وإعلان واضح من “الغرب المتحضر” بالرغبة في قتله.

التفسير الأبسط قد يكون “الروح الاستشهادية” ذات الطابع الحسيني التي تتلحف بمقولة سبط النبي: “إن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”.

التفسير الأغبى هو الكلام عن الاختراق الاستخباراتي وربما الخيانة الداخلية، وهو ما يتكشف سطحيته ببساطة كون الرجل تم استهدافه وهو مقيم في مقره الاعتيادي، ولم تصل إليه الأذرع المخابراتية الجبارة في مخبأ سري تحت الأرض أو طائرة رئاسية مخصصة للأوقات العصيبة.

ولأن السؤال لا يزال مطروحًا يمكننا البحث عن إجابة من خلال قراءة مغايرة للرجل تتجاوز كونه زعيمًا دينيًا، ورجل سياسة يحتل قمة هرم السلطة في بلاده منذ ما يزيد على الثلث قرن، واستكشاف ملامح “المثقف المشتبك” في شخصية الراحل.

خامنئي الذي ولد لأسرة دينية تقليدية، ونشأ في كنفها متخذًا مسار عالم الدين التقليدي، من الكُتّاب إلى الحوزة، مرورًا بالتعليم الابتدائي الذي يُعرف عندهم بـ”تعليم السطح” ويتضمن اللغة العربية وآدابها والفقه إضافة إلى الفلسفة والمنطق، قبل أن ينتقل إلى مرحلة “دروس الخارج”، والتي تعني المرحلة المتقدمة في الدراسات الدينية.

كانت رحلة الخامنئي تعد برجل دين على طريقة والده أو جده لأمه، لولا أن والدته فتحت عينيه مبكرًا على عوالم الأدب والشعر، ومنها دلف إلى معترك الفكر بألوانه المختلفة.

في 2019، ظهرت صورة لخامنئي في معرض طهران الدولي للكتاب مبتسمًا وهو يتصفح أعمال أحمد شاملو، الشاعر الإيراني الماركسي، الذي يُصنّف باعتباره من أعداء النظام، ما طرح تساؤلات عن “روح الشاعر” في الزعيم الديني والسياسي.

روح الشاعر ظهرت في عدد كبير من خطب الخامنئي، استشهد خلالها بأقوال شاعري إيران الأشهر سعدي وحافظ الشيرازي، كما تحدث في مناسبات مختلفة عن ولعه برواية البؤساء لفيكتور هوجو التي وصفها بأنها “أفضل رواية كُتبت في التاريخ” ومعجزة في عالم الفن جمعت بين علم الاجتماع، والتاريخ، والنقد، وعلم اللاهوت، والحب.

كان خامنئي يجيد العربية والأذرية والفارسية والإنجليزية التي تعلمها على يد رفيق السجن محيي الدين آل ناصر.

ألّف خامنئي عشرات الكتب وترجم عشرات، وظهرت مكتبته في بعض حواراته ضخمة كما يليق بمثقف موسوعي.

يبدو هنا عبثًا كاملًا المقارنة بالخلفية الثقافية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي “شكلت مجلات المشاهير وصحف التابلويد شخصيته العامة، وعزز برنامج المبتدئ صورته كقائد حازم ومشهور قبل دخوله السياسة”.

للخامنئي أيضًا مساهمة لافتة في مجال الفلسفة، تحديدًا مدرسة الحكمة المتعالية التي أسسها صدر المتألهين الشيرازي (الملا صدرا).

ولم يقتصر خامنئي على التلقي، بل تعداه إلى محاولة تفعيل مبادئها في الواقع الاجتماعي والسياسي، وكان يرى أن مبدأ أصالة الوجود، وهو حجر الزاوية في الحكمة المتعالية، يجب أن يجد تجلياته في بناء النظام الاجتماعي والسياسي. وكانت الفلسفة لديه أساسًا للتدبير العملي، ليست مجرد تأملات نظرية.

وفي مناسبات عدة تحدث عن ضرورة “تنزيل الفلسفة من التجريد إلى الواقع المعاش”.

من هذه الرؤية يمكننا دونما افتئات تصنيف الرجل كـ”مثقف مشتبك”، ورغم أن المصطلح لا يعد مصطلحًا كلاسيكيًا بقدر ما هو ترجمة تأويلية حديثة لمجموعة مفاهيم غربية وعالم-ثالثية تبلورت في كتابات جرامشي عن المثقف العضوي، وسارتر عن الالتزام، وأخيرًا إدوارد سعيد عن صور المثقف.

المصطلح نظر له وعاشه بشكل يومي المثقف والشهيد الفلسطيني باسل الأعرج، يمكن أن يمنحنا صورة مغايرة ـ ربما تكون أكثر صدقًا ــ للخامنئي، الذي بدأ حياته رجل دين مشتبك، تعرض للسجن مرات عديدة، والتقى في الزنازين بـ”رفاق” ناقش معهم رؤيته مطولًا.

إيمان الرجل بـ”الإسلام الحركي”، ملمح آخر من ملامح رؤيته كمثقف مشتبك، فهذا الخيار لم ينطلق من أرضية حركية مجردة، بل ساهمت في تأصيله وترسيخه قراءات وترجمات وكتابات تتلمس الطريق نحو “حداثة ناقدة”.

وخلال 36 عامًا قضاها الرجل على قمة السلطة في بلاده، بدا جادًا في تقديم “طرح ثقافي” بديل للحداثة الغربية، سواء في شكل العمل السياسي بعيدًا عن “خدعة الديمقراطية العددية التمثيلية”، أو اجتماعيًا حيث الحياة الاجتماعية في إيران ليست مجتمعًا مغلقًا ولا نسخة كاريكاتورية استبدادية، بل مجتمع حيّ، متعلم، شديد التناقض، يدير يومياته عبر توازن دائم بين السلطة، والعرف، والأسرة، بعيدًا عن الاختزال الغربي لهذا التعقيد وسنوات الدعاية السلبية التي تكشف لاحقًا أن جزءًا لا يُستهان به منها كان مدفوعًا، وفي إطار “حروب السرديات” التي باتت النمط الأشد قسوة وأهمية في الربع الأول من الألفية الثالثة.

“محور المقاومة”، أو ما يسميه الغرب “وكلاء إيران”، كان جزءًا من عقلية المثقف المشتبك، الذي يرى الصورة الكلية، حيث لا تفرق منظومة الهيمنة بين ضحاياها من خلال العرق أو اللون أو المذهب، وبينما يُتهم “الفرس” منذ العصر العباسي بالانغلاق والتعالي على العرب، مد الرجل يديه ودفع أثمانًا باهظة لدعم حركات التحرر الوطني، بما فيها سنية المذهب مثل حماس، وذات التوجه السلفي كالجهاد الإسلامي، وحتى اليسارية منها كالجبهة الشعبية، فليس صحيحًا بالمرة خرافة “الأذرع الشيعية” التي روج لها الإعلام الغربي، وتبنتها الميديا العربية الممولة خليجيًا ــ غالبًا ــ، وإنما كان العامل الأساس في رسم خارطة التحالفات هو رفض الهيمنة الغربية تحديدًا، والتي تبلورت بشكل فج في كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي بُني تحت غطاء توراتي واهٍ من أجل حماية مصالح ونفوذ الإمبريالية الأمريكية والاستعمار الجديد.

أضف تعليق